الذهبي

411

تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام ( تحقيق معروف )

الأماكن المجاورة لهذا البلد تين مل ، وهي مسيرة يوم في هذا الجبل ، فانقطعوا فيه بُرْهةً ريثما ينسى ذكركم ، فلّما سمع ابن تُومَرْت بهذا الاسم تجدَّد له ذِكْر اسم الموضع الّذي رآه في الكتاب ، فقصده مع أصحابه ، فلما أتَوْه رآهم أهل ذلك المكان على تلك الصورة ، فعلموا أنهم طلاب علم ، فتَلَقَّوْهُم وأكرموهم وأنزلوهم ، وبلغ الملكَ سفرُهُم ، فَسُرَّ بذلك . وتسامع أهل الجبل بوصول ابن تومرت ، فجاؤوه من النّواحي يتبرَّكون به ، وكان كلّ من أتاه استدناه ، وعرض عليه ما في نفسه من الخروج ، فإنْ أجابه أضافه إلى خواصّه ، وإنْ خالَفَه أعرض عنه . وكان يستميل الشّباب الأغمار ، وكان ذَوُو الحِلْم والعقل من أهاليهم يَنْهَوْنَهُم ويحذّرونهم من أتِّباعه خوفًا عليهم من المَلِك ، فكان لَا يتمّ له مع ذلك حال ، وطالت المدَّة ، وكثُرَت أتباعُه من أهل جبال دَرَنْ ، وهو جبل لَا يفارقه الثَّلْج ، وطريقه ضيق وعر . قال الْيَسَع بن حزْم : لَا أعلم مدينة أحصن من تينملل ، لأنها بين جبلين ، ولا يسع الطّريق إليها إلّا الفارس ، وقد ينزل عن فرسه في أماكن صَعْبة ، وفيها مواضع لَا يُعْبَر فيها إلّا علي خشب ، فإذا أُزيلت خشبة لم يمرّ أحد ، وهذه الطّريق مسافة يوم ، فأخذ أتباعه يغيرون على النّواحي سبْيًا وقتْلًا ، وتَقَوَّوْا وكثروا ، ثم إنه غدر بأهل تينملل الذين آووه ونصروه ، وأمر أصحابه ، فقتلوا فيهم مقتلةً عظيمة ، قاتله الله ، فقال له الفقيه الإفريقي ، وهو أحد العشرة ، عندما فعل بأهل تينملل : قوم أكرمونا وأنزلونا دُورهم قَتَلْتَهُم ؟ فقال لأصحابه : هذا شك في عصمتي ، خذوه ، فقتلوه وعلقوه على جذع . قال : وكل ما أذكره من حال المَصَامِدة فمنه ما شاهدته ، ومنه ما أخذته بنقل التّواتر . وَكَانَ فِي وصيته إلى قومه إِذَا ظَفِرُوا بمرابطٍ أَوْ أحدٍ مِنْ تِلِمْسَانَ أَنْ يُحَرِّقُوهُ ، فَلَمَّا كَانَ فِي عَامِ تِسْعَةَ عَشَرَ خَرَجَ إِلَيْهِمْ يَوْمًا ، فَقَالَ : تَعْلَمُونَ أَنَّ الْبَشِيرَ الَّذِي هُوَ الْوَنْشَرِيسِيُّ ، إِنَّهُ أُمِّيٌّ لَا يَقْرَأُ وَلَا يَكْتُبُ ، وَإِنَّهُ لَا يَثْبُتُ عَلَى